إشارة2 /نور الدين نجمي
ذات مرة قال الممثل الإنجليزي الحائز على جائزة الأوسكار #جيريمي_أيرونز :
''' لنا جميعا آلات سفر عبر الزمن، منها ما يعيدنا إلى الوراء وتلك نسميها الذاكره، ومنها ما يدفعنا إلى الأمام وتلك نسميها الأحلام'''
فكم من آلة سفر نحتاج لتنقل كل الشغف الجاثم في خبايا المستتر وكل هذا الزبد الذي احتل محيط السؤال والإستفهام من وإلى ؟
السفر من الأحلام الى حيث الذاكرة متعب للغاية ، والعودة من الذاكرة حيث الأحلام يشبه السقوط من شهاق لا يحدد لك متى وكيف سيكون الإرتطام .
غير أن بعض السفر لا يحتاج لموعد ولا لتذكرة ولا للذهاب ولا للإياب ، قد يأخذك حيث لا تدري لتدرك أن هذا ما كنت تود السفر إليه .
الحنين للتاريخ يحتاج لراو بعثر مشاعره ليرتب التفاصيل
والتفاصيل لا يسموا فيها الإكتمال إن لم ينهي الشغف آخر الخشوع وآخر صلوات الموت والولادة
مطلع الخمسينات أكمل القمر دورة المعتاد ثم انعكس طوعا على ضفاف ام الربيع العظيم ، طفل صغير لم يستهويه الضياء بعد ولم ينتبه لازدحام النجوم وعبث الشُّهب ،.
يظهر كل خميس من كل أسبوع والترتيب دوام كعقارب الساعة التي لا تمل اللّف في نفس السياق ومحاذات نفس الأرقام .
الخيام أكملت التراص وأطلقت بداية الغمار في المتاهة وفوضى الإنتهاز ، هذا يسَوِّق وذاك يتسَوَّق والكل يخوض في المزاج ، إلا الطفل الصغير يشق الزقاق ومضايق المرور ولا يدلي بأي إثبات .
المناف في الصدد مرآة عتيقة غطتها الشروخ وبالكاد تعكس شيئا من الملامح وقليلا من الإطار، غير أن هذا الطفل لم تستوقفه المرآة لأنه لم يكن مهتما لرؤية ملامحه أكثر من اهتمامه برسم معالم ملامحٍ بالكاد بدأت لتكون .
السوق اكتمل وفوضى الصراخ أخذت الزمام لتنتظم وتخترق المسامع ، الطفل استهواه مكبر صوت ينبعث من خيمة غرست الأوتاد عميقا وإتخذت من المنتصف ثباتا ،
أخذ الميكرفون وروج لسلع صاحب الخيمة ، ومساء كل سوق يأخذ الطفل عشرون سنتيما أجرا لكل ما قاله في مكرفون الخيمة ليقنع السواق .
هذه العشرون سنتيما سيحولها هذا الطفل لكنز يخترق القيمة ويلغي معادلة الثمن .
قبل اقتلاع الأوتاد وسقوط خيام سوق الخميس بمريرت يكون الطفل قد اشترى بالعشرين سنتيما قرصا قد يحمل أغنية وقد يحمل الفراغ ، هكذا بدأ الشغف يلملم هوامش الإحساس ويزيل من المرآة ثقل الشروخ لتستوعب المرور وكل الملامح وشتات الإنعكاس ،
نحن الآن في بداية السبعينات الطفل كبر ولم يعد يهتم لمكرفون الخيمة بل بدأ ينتبه لتراكم الأقراص التي استبدلها بالعشرون سنتيما خصوصا وأنه أصبح يمتلك قارئا لمشترياته من الأقراص " تورن ديسك "
تراكم أجلسه القرفصاء ليكتشف الأسماء وكنوز التراث ، ذاك الطفل الذي تعقب #الطبالةوالغياطة وهي تخيط أزقة مريرت ولاحق #الحلقة أينما حلت وارتحلت وأنا كان السوق ، اشترى كل الأشرطة التي صادفها وتلك التي صادفته، أصبح الآن يستوعب قيمة ما يملك وأغواه الغمار لخوض المزيد من العبور ، تعلق بالمذياع وإذا به يغرم بسحر صوت ينظِّم الأنفاس ويعطي للفراغ مساحة تستوعب كل الألوان وترسم في المخيال صورة لامرأة أمازيغية مزقت خطوط الطول والعرض ونثرت فقاعات النغم بلون القزح لتوزع الجمال مجانا لمن يريد ولمن يمتنع .
هذا السخاء وهذا السلام لم يكن ليرفرف لو لم تكن تلك المرأة هي #حادة_وعكي الفنانة العميقة التي اقتحمت عمق الطفل حين كبر ليصبح #المكي_أكنوز .
من هنا بدأت الكاريزما تشكل حيثيات الشخصية لدى الأرشفيست و الباحث المكي_أݣنوز رغم أنه كان إبان الريعان مشروع فنان تشكيلي واعد بالمستقبل ، أتقن التفنن في رسم البورتريهات وكان خطاطا يحول الحرف لشكل ولوحة تغري بالتأمل ، غير أنه لم يكترث ولم يكن يعنيه هذا التميز بل لم يكن يريد أن يُعرف أنه فنان له من القيمة ما سيجعله ليكون في المشهد .
انحرف عن مسار حلمه ليتعقب أثر التراث وما يخلفه الرواد من معالم ومفاتح لاقتحام الذاكرة
... حين التقى #المكي_أݣنوز بالراحل #محمد_رويشة أول مرة، إنصهرت المشاعر في انسجام واقتناع تام ، كيف لا والمكي أݣنوز ذاك الطفل وذاك الشاب الذي كان معتادا على اقتناء أشرطة المبدع رويشة كل خميس حين ينتظم السوق في مريرت وحين يُبعث بعابري السبيل ويكثر الممشى، كان ذلك منتصف السبعينات وبداية احتضار القرن العشرين .
سبعينات التوهج وغزارة الإبداع والمخاض الذي جاد بالأسماء والكبار (...)
كبرت ثقة الرجل خصوصا حين أثنى على مجهوده #محمد_رويشة الذي فطن إلى أن المكي #آلة عابرة للزمن.
....من كثرت التمرس وتعقب الأحداث أصبح #المكي_أكنوز يعرف نوعية وماركة #المسجلة التي وثقت #الأغجظيم حتى وإن لم يكن شاهدا على التوثيق .
من #الغياطة إلى #السوق ثم #المذياع مرورا ب #حادة_وعكي وسبعينات #محمد_رويشة ، المكي أكنوز التي كانت معطيات طفولته وشبابه توحي أنه سيكون فنانا تشكيليا وخطاطا من طراز الكبار ، إستطاع اليوم أن يكتنز تحف الرواد من كل الأجيال ليكون الحارس الأمين على مملكة بلا سلطة . (...)
غمار الرجل تفوق هذا المقال وهذه #الإشارة ، فالأحداث وكل التفاصيل متزاحمة ومكتظة، كتلة تغري بشريط للسينما أو مؤلف بأجزاء أو بجدة عجوز تحكي الأسطورة
#المكي_أكنوز المولود #بآيت_بومزيل #خنيفرة سنة 1964 استطاع أن يحمل في ذاكرته متحفا للنوادر .
حفظ الأحداث ووثق التفاصيل ليكون مرجعا وشاهدا على العصر (...)
صراحة أستغرب ونحن الآن في زمن كثرت فيه المؤسسات الإعلامية وتنامت فيه الأفكار أن لا يشعر أحد بقيمة ما يملك هذا الرجل من كنوز تؤسس للذاكرة !
في سياق هذا التعجب وهذا الإستغراب أتمنى من الإذاعة الأمازيغية والقناة الأمازيغية والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية أن تفسح المجال لهذا الرجل ليعترف بكل الإقتراف ويوقع أسفل المحضر .
هو فقط من يمتلك ذاكرة الأغنية الأمازيغية
#المكي_أݣنوز_مؤرخ_مملكة_الأغنية_الأمازيغية
____________________________
#إشارة يكتبها ✍️ كل أسبوع : نورالدين نجمي
___________________ #ملاحظة :
المقال يتضمن اختصارات وتصرفا تفاديا للنسخ والنشر دون ذكر المصدر ، #إشارة هي مشروع لكتيب أعرًف من خلاله بالرموز والأسماء التي أغنت الريبرطوار الفني الأمازيغي
