تحتفل المنظومة العالمية باليوم العالمي للمرأة، غير أن 8 مارس ليس مناسبة للإحتفال بالنسبة للمرأة القروية


المرأة القروية في المغرب هي تلك المرأة التي تمضي جل يومها في العمل المضنى والذي يحتاج الى جهد بدني وصبرين كبيرين، بين السهول والجبال من جهة وبين الحقول ومشاغل البيت وتربية الأبناء من جهة أخرى؛ هذا العمل المرهق والذي يحتاج الى ساعات طوال مردوديته المادية ، ففي الغالب تكون ضعيفة جدا مقارنة مع الجهد المبذول .
أمام هذا الوضع المزري تم إطلاق العديد من المبادرات من الهيئات المحلية والوطنية والدولية ، لكنها في بعض الأحيان لا تحقق أهدافها ، وقد تقرر تخصيص يوم عالمي للمرأة القروية منذ سنة 1995 من طرف مجموعة من المنظمات الدولية غير الحكومية خلال المؤتمر الرابع للأمم المتحدة حول المرأة، فحسب إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط فإن نسبة تمدرس الفتيات بالعالم القروي عرفت تطورا ملحوظا ؛ وذلك لأسباب يعرفها الجميع ، لكن الغريب هو أنه حسب نفس الإحصائيات ، نسبة البطالة في صفوف النساء القرويات هو أقل من نظيرتهن في الحواضر ، غير أن الواقع يقول غير ذلك ؛ فإحصائيات برنامج الأمم المتحدة للتنمية تشير الى أن من بين كل أربع ساعات من العمل الغير المؤدى عنه في العالم فإن ثلاث ساعات هي من نصيب النساء ، مما يشير الى اعتبار المندوببة لأي نشاط كيفما كان بمثابة منصب شغل ، ويؤكد على ضرورة رد الإعتبار للمرأة القروية بإقرار تميز ايجابي يسهل عليها الإستفاذة من حقوقها الكاملة ، فيما يتعلق بالرعاية الصحية والإجتماعية ، على غرار أخواتها في الحواضر في كل ربوع الوطن ولكن ربما ما يتجاهله المكلغون بصندوق المقاصة أن رفع الدعم عن غاز البوتان الموجه الى العالم القروي والمناطق النائية لن يدفع ثمنه إلا النساء المغلوبات على أمرهن من خلال الإستيقاظ باكرا للعودة في المساء وعلى ظهورهن المقوسة أكوام من الأعواد على اختلاف أشكالها وأحجامها لاستعمالها في الطبخ أو كحطب للتدفئة .
من جهة أخرى فالمرأة القروية تعيش في ظروف صعبة إلا أن شدة بؤسها أقوى من مشاكل الحياة، رغم أنه في الأونة الأخيرة بدأت تتغير الأوضاع شيئا فشيئا ، وبدأت معها نظرة المرأة القروية للعالم من حولها تتغير ، خاصة مع وصول الكهرباء الى البوادي ومتابعة الجنس اللطيف لأحداثه من خلال الشاشة الصغيرة، وبالخصوص الأفلام المدبلجة ، فتغيرت بذلك نظرتهم للحياة بل وأثر ذلك على التقاليد والمجال القيمي بشكل سريع  حيث كانت الى عهد قريب غريبة على المجتمع القروي المعروف بالتكافل والتعاون ببن الأسر الكبيرة في المقابل، فالمرأة القروية حاليا دخلت المعترك السياسي وتمكنت من فرض وجودها داخل المكاتب الجماعية المنتخبة، بل منهن من تقلد منصب الرئاسة لتدبير الشؤون المحلية لجماعتهن، حيث تشير الإحصائيات الرسمية إلى نسبة المشاركة النسائية في الإستحقاقات الجماعية وصلت الى 21،18% كما دخلت الى عالم التجارة فأصبحت تبيع وتشتري في الأسواق ، وصار بإمكانها فتح دكاكين خاصة بها .
كل هذا بالرغم من العديد من الإكراهات والصعوبات التي تجعلها تقاسي في حياتها اليومية، و ذلك راجع الى الإقتصاد الإجتماعي الذي تعرفه المرأة ، بحيث توكل لها الأعمال الشاقة التي هي من اختصاص الرجال ؛ من بينها الخروج لجمع المحاصيل الزراعية ومعالجتها، وكذلك ثقل وعبئ الأعمال التي تقوم بها في المنزل ، كتنظيف الحظائر وجلب الماء، والحطب، وتربية المواشي والإشراف عليها، كما أنها كلما ذهب زوجها الى العمل إلا وكانت بجانبه تعينه في كل ما يقوم به، بحيث أنها لا تعرف الراحة ولا الهناء ، وهذه الأعمال غير معترف بها إذ أنها تصبح ضعيفة ومهانة الكرامة مقارنة مع المرأة الحضرية ، بالإضافة الى هذه الأعمال فإنها كذلك محرومة من حقوقها في عدة أشياء ؛ منها التعليم مثلا فالمرأة تعرف نسبة الأمية كببرة ، وضعف التأطير الصحي ، بحيث نجد بعد المستشفيات وانعدام التوعية الصحية ، فتلجأ الى التداوي بالأعشاب ، وهذا ما يؤدي بحياتها الى الهلاك ، الى أنها تعرف غياب الوعي بتنظيم النسل مما يجعلها تكثر من الولادة ، إذ تلد أكبر عدد من الأطفال ، يعيشون طفولة مهمشة ومحرومة من الرعاية مما يؤدي بهذه الفئة من الأطفال الى التشرد والإنحراف و الحرمان من حقوق التربية السليمة ، وهذا يجعل معاناة هذه المرأة أكبر، وذلك عندما يصلون الأطفال الى سن التمدرس فلا يجدون الظروف التي تساعدهم على مسايرة دراستهم .....الخ
وعليه أشير الى أهمية توجيه البحوث الأكاديمية على اختلاف أنواعها نحو الأنشطة المدرة للدخل لتحفيز التفكير العلمي الميداني المنبثق من الواقع الحقيقي بتشخيص الوضعية وتحديد الطرق الممكنة لتحسين دخل المرأة القروية وسكان العالم القروي بشكل عام ، وذلك ببلورة أفكار أنشطة مبتكرة تناسب مؤهلات وتطلعات الساكنة ، مع إعادة النظر في المهن التي تكون فيها النساء في مجمل المناطق، بإخضاع المكونات لتكوين مستمر في مهن او في تقنيات جديدة لتنويع العرض التكويني ، وتتجاوز ماهو معمول به حاليا كالطرز والخياطة في أحسن الأحوال ، وذلك قصد الرفع من جاذبية هذه المراكز كي يضرب بها المثل في تحسين وضعية النساء القرويات بإخراجهن من حياة البؤس والشقاء ، كما يجب توجيه بوصلة الجمعيات التنموية الى المشاريع المدرة للدخل المرتبطة بأنشطة النساء لتثمينها والبحث عن منافد تسويقها ، لكي تحول فيما بعد - عند تحسن أنشطتها- الى تعاونيات للمساهمة في الرفع من الدخل اليومي لتلك الفئة .....لكي لا يكون التبرير الوحيد لاستمرار المرأة القروية في العيش هو أنها مضطرة وليس لأنها تريد ، وهذا الأمر أشد بؤسا من التشرد والضياع ، فكل متشرد وضائع يستيقظ كل يوم من أجل لقمة عيش أو لإيجاد هدفا ، وهي تستيقظ لتفعل أشياء لا رغبة لها فيها ولم تختارها منذ البداية ، فقط لكي تستمر في اللاشئ الذي يراه الأخرون "حياة"
و لكوني أنثى قروية أقول لكم التفو لتلك المسكينة المقهورة التي لا حول لها ولا قوة ووجهو أقلامكم وشاشتكم وكلماتكم القوية تجاهها .

يسرى ايت اومجوض



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-